الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

391

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

كونه طريقا وعموم البلوى بها بعد ذلك لا يقضي بذكرها في الأخبار حال عدم الاحتياج هذا هو الوجه في خلو الأخبار عن بيانه ويدفعه أنه لو سلم جواز إهمال الشارع لحال التكليف في زمن الغيبة مع اشتداد الحاجة إليه نقول بعد انسداد باب العلم كان حاصلا بالنسبة إلى كثير من كان في أعصارهم عليهم السلام سيما من كان منهم في البلدان البعيدة والأقطار النائية مع شدة التقية وفي ملاحظة أحوال الرجال وما يرى من اختلافهم في الفتاوي أقوى دلالة عليه فمنع حصول الانسداد في تلك الأزمنة وإنكار شدة الحاجة إلى حكمه ضعيف فكيف يصح القول حينئذ بإجمالهم في بيان حكم المسألة وركونهم إلى مجرد حكم العقل مع عدم ما يشاهد من اختلاف العقول في الإدراكات الرابع أن الظنون مما يختلف الحال فيها بحسب اختلاف السلائق والأفهام فكيف يصلح أن يجعل مطلق الظن مناطا لاستنباط الأحكام وإلا لزم الهرج والمرج في الشريعة وعدم انضباط الأحكام الشرعية نعم ما كان من الطرق الظنية مضبوطة بعيدة عن الاضطراب كظنون الكتاب والسنة لم يكن مانع من حجيتها والاتكال عليها وفيه أن ذلك إن تم فإنما يتم بالنسبة إلى الظنون التي لا معيار لها كالأهواء والآراء والاستحسانات العقلية والوجوه التخريجية ولا كلام عندنا في عدم صحة الاستناد إليها وقضاء الإجماع بل الضرورة بعدم الاعتماد وأما ما سوى ذلك من الظنون فلا يجري فيها الوجه المذكور ويمكن دفعه بأن ذلك خلاف ما اختاروه فإنهم إنما يقولون بقضاء العقل بحجية الظن مطلقا وإنما قالوا بعدم جواز الاستناد إلى الظنون المذكورة لوجود المانع عنه وإلا فالمقتضى لجواز الاتكال عليها موجود عندهم حسبما قرروه والوجه المذكور يدفعه نعم يمكن أن يقال إنه ليس الكلام في بناء الشريعة على الظنون إلا حين انسداد سبيل العلم وحصول الضرر الملجئة إليها واختلافها في الانضباط وعدمه إنما يقضي بقوة المنضبط وضعف غيره وذلك إنما يقضي بعدم جواز الأخذ ما يضعف من التمكن من الأقوى ولا كلام فيه لتعين الرجوع إلى الأقوى حينئذ وأما مع عدم حصول الأقوى فلا ريب أن الأخذ بالضعيف أولى من الأخذ بخلافه وأقرب إلى إصابة الواقع فهو في حال الضرورة بالترجيح أخرى المفسدة اللازمة في الأخذ بخلافه أقوى هذا وربما استدل بعضهم في المقام بأنه لا دليل في الشرع على حجية مطلق الظن حين انسداد باب العلم وإنما الدليل عليه عند القائل به هو العقل وهو لا يفيد وجوب الأخذ به شرعا كما هو المقصود إذ الوجوب الشرعي لا يثبت بحكم الشرع دون العقل وهذا الوجه موهون جدا لأنه مبني على أصل فاسد مقطوع بفساده أعني نفي الملازمة بين العقل والشرع وإنكار كون العقل القاطع من أدلة الشرع وقد قرر وهنه في محله مستقصى ثم لنا طرق أخرى في المقام ووجوه شتى في تصحيح المرام فوضح القول في بيانها ونشير إلى ما يرد عليها وما به ويمكن دفعه عنها أحدها أنه لا ريب في كوننا مكلفين بأحكام الشريعة وإن لم يسقط عنا التكاليف والأحكام الشرعية في الجملة وأن الواجب علينا أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم بأن يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمتنا عما كلفنا به وسقوط التكليف هنا سواء حصل منه العلم بأداء الواقع أولا حسب ما مر تفصيل القول فيه وحينئذ نقول إن صح لنا تحصيل العلم بتفريغ الذمة فلا إشكال في وجوبه وحصول البراءة به وإن انسد علينا سبيل العلم به كان الواجب علينا تحصيل الظن بالتزامه في حكمه إذ هو الأقرب إلى العلم به فيتعين الأخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم والقطع ببقاء التكليف دون ما يحصل معه الظن بأداء الواقع كما يدعيه القائل بأصالة حجية الظن وبينهما بون بعيد إذ المعتبر في الوجه الأول هو الأخذ بما يظن كونه حجة لقيام دليل ظني على حجيته سواء حصل منه الظن بالواقع أولا وفي الوجه الثاني لا يلزم حصول الظن بالتزامه في حكم المكلف إذ لا يستلزم مجرد الظن بالواقع ظنا باكتفاء المكلف بذلك الظن في العمل سيما بعد ما ورد من النهي عن العمل بالظن والأخذ به فإذا تعين تحصيل ذلك بمقتضى حكم العقل حسبما عرفت لزم اعتبار أمر آخر يظن معه برضاء بالعمل به وليس ذلك إلا الدليل الظني الدليل على حجيته فكل طريق قام دليل ظني على حجيته واعتباره في نظر الشرع يكون حجة دون ما لم يقم عليه ذلك فإن قلنا إن قام أولا طريق مقرر من الشرع في الوصول إلى الحكم والحكم معه بتفريغ الذمة عن التكليف فلا كلام وإن لم يقم فالواجب أولا تحصيل العلم بالواقع فمع تعذره يثبت بناؤه الظن بالواقع أو يقال إنه إن لم يقم طريق مقرر من الشارع للوصول إلى الواقع كان العلم هو الواقع الطريق وإن قام اكتفي بما جعله طريقا فإن لم يثبت عندنا ذلك أو ثبت وانسد سبيل العلم به وكان المرجع هو العلم بالواقع إذ القدر المسلم من التكليف بالرجوع إلى الطريق إنما هو مع العلم به فبعد انسداد سبيل العلم به يرجع إلى الظن بالواقع حسبما قرروه قلت لا ترتيب بين تحصيل العلم بالواقع والعلم بالطريق المقرر من الشرع وليس تعين الرجوع إلى العلم مع عدم الطريق المقرر أو عدم العلم به قاضيا بترتب العلم بالواقع عليه ولا تعين الرجوع إلى العلم بالواقع إلى أن يقوم دليل على الاكتفاء بغيره من الطريق قرره دليلا على ترتب الآخر عليه بل الجميع في مرتبة واحدة وإنما يتعين الرجوع إلى العلم مع انتفاء الطريق المقرر أو عدم العلم به لانحصار العلم بالخروج عن عهدة التكليف في ذلك ولذا يجوز الرجوع إلى العلم مع وجود الطريق المقرر أيضا ويتخير المكلف في الرجوع إلى أيهما شاء والحاصل أن القدر اللازم أداء الفعل وحصول البراءة بحسب حكم الشارع وهو حاصل بكل من الوجهين واقعين تحصيل العلم بالواقع فرض انتفاء العلم بطريق المقرر أو انتفائه واقعا ليس لكونه متعينا في نفسه بل بحصول البراءة به على النحو الذي ذكرناه وفرق بيّن بين كون الشيء مطلوبا بذاته في كون المطلوب فهو إذن أحد الوجهين في تحصيل تفريغ الذمة فإذا انسد باب العلم بتفريغ الذمة على الوجه المفروض بكل من الوجهين المذكورين بأن لم يحصل هناك طريق قطعي من الشارع يحكم معه بتفريغ الذمة في حكم الشارع حسبما عرفت وهو يحصل بقيام الأدلة الظنية على حجية الطرق المخصوصة حسبما يتم الدليل عليها في محالها من غير أن يكتفى في إفادة حجيتها بمجرد كونها مفيدة للظن بالواقع كما هو قضية الوجه الآخر فإن قلت إن الظن بأداء الواقع يستلزم الظن بتفريغ الذمة على الوجه المذكور لولا قيام الدليل على خلافه كما في القياس ونحوه إذا رأى المكلف به واقعا يستلزم تفريغ الذمة بحسب الواقع قطعا لقضاء